إذن، من أين ابدأ؟


وفي القرآن الكريم:

  • ﴿ألم تر إلى الذين يزكّون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49)﴾ ﴿النساء﴾
    • إذا قرأت نفسي، صار صعبا عليّ أن أبالغ في مدحها، وصولا إلى العجب والغرور والكبر
  • ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14)﴾ ﴿الإسراء﴾
    • دلّت الآية على أن الأصل أن أعرف نفسي، وبالتالي أن أعرف ما في كتاب حياتي في الآخرة
  • ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64)﴾ ﴿الأنبياء﴾
    • عند نزول نازلة في النفس، توقفها النازلة لتُفاجأ أنها تعلم ما لها ما عليها
  • ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8)﴾ ﴿الروم﴾
    • دلّت الآية على أن التفكير في النفس يوصلني إلى الحق في أمر الكون وخلق السماوات والأرض
  • ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (5)﴾ ﴿فصّلت﴾
    • دلّت الآية على أن آيات الله الموصلة إليه، كما هي منثورة فيما حولنا من آفاق، فهي في النفس أيضا

وكأنني أفهم من الآيات أنني إذا أردت الحق، فعليّ أن أرى نفسي أولا


لافتة: هذه الآية هي منطلقي في فهم امتناع الحق عن كثير من نفوس اليوم من أهل الهوى
وخصوصا ممن أسميهم: غلمان التنوير والحداثة ومراهقي النهضة

  • ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32)﴾ ﴿النجم﴾
    • دلّت الآية على أن معرفة نفسي وما فيها من مواطن ضعف لا تمكّنني من العُجب بها أو الغرور
  • ﴿لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2)﴾ ﴿القيامة﴾
    • القسم لا يكون إلا بشيء عظيم، والقسم هنا كان بالنفس التي تقوم بعملية المراجعة والنقد
    • واللوم كما جاء في [ابن منظور - لسان العرب] هو المراجعة والتمكث والتريث والانتظار والعتب والتهذيب، وبهذا فتكون النفس اللوامة هي التي تقوم بكل هذا، ولا يكون هذا إلا بعد قراءة النفس.

قصة قرآنية نبوية على أهمية الاستبصار والتبصّر أو قراءة النفس:

في سورة ﴿الضحى﴾، نقرأ مثالا رائعا على ثمرات الاستبصار والتبصّر أو قراءة النفس

نقرأ في كتاب (الواحدي - أسباب النزول):

أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جزع جزعا شديدا بعد أن أبطأ عليه الوحي
فقالت امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه. وفي رواية: قلاه ربه. أي: تركه ربه وهجره
فنزلت: ﴿والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3)﴾

ولنتأمل في حالة محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبيل نزول السورة
ولنتفكر فيما يمكن أن يكون مر على خاطره من أفكار حول تأخر الوحي عليه
ثم لنتوقف قليلا لنرى كيف كان يمكن لكلام هذه المرأة القرشية أن تزيد عليه الأمر جزعا ومرارة
ثم لنتساءل: ما الذي كنت سأحتاجه لو كنت مكانه؟

في مثل هذه الحالة النفسية الصعبة، نزلت هذه السورة
نزلت لتطمْئِن قلب محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم
فبدأت بذكر لحظات الصبح المشرقة التي تناسب النفسية التي تسيطر على الموقف
وكأني بالآيات تقول لي: لكل ليل آخر، وآخر الليل ضحى.
ولكن الله قدم ذكر النهاية المشرقة على الليل المظلم.
ثم ليؤكد الله لعبده وحبيبه أنه لم يتركه ولم يهجره، فتهدأ نفسه بهذا التثبيت.
ثم ليزيد تطمينه عما هو قادم

ولعل في هذا ما تشير إليه الدراسات النفسية لمن يعانون من الضيق
حيث يسيطر عليهم خوف من المستقبل

فجاءت الآيات تعلمني أن ما هو قادم خير مما مضى
فوعد الله رسوله بما هو أفضل مما يظن في قابل الأيام
وفي الآخرة، حيث سيحظى بكل ما يرجوه، حتى يرضى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5)﴾

ثم جاء دور الاستبصار والتبصّر وقراءة النفس

فذكّره الله بما مضى من عمره، وكيف مرت عليه سنوات عمره بما فيها من ذكريات طفولة صعبة
وكيف خرج منها بشخصية تحمِل في جنباتها كثيرا من الخير
ولكن الحالة النفسية الصعبة قد تنسي صاحبها أو صاحبتها كل ذلك الخير

وهذا ظاهر في أسلوب التذكير بالماضي الذي جاء بصيغة الاستفهام التقريري
وكأني بكل آية من هذه الآيات تخاطبني مذكرة إياي بما لدي من خير غفلت عنه:
هل نسيت كل النعم التي أنعمها الله علي؟
وهل تمكّن مني ما قاله الآخرون عني حتى أنسوني ما لدي من النعم؟
وهل نسيت أنني خرجت من أسوأ الظروف إلى ما أنا فيه من خير، جسدا وروحا؟
﴿ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8)﴾

ثم تأتي ثمرات الاستبصار والتبصّر وقراءة النفس

فبعد أن أعلم ما مررت فيه، وما تعلمته فيه من دروس كثيرة
لا يبقى لي إلا أن أخرج بكل ما فيها من نفع، لينعكس على نفسي أولا، ثم على الآخرين ثانيا
﴿فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11)﴾

وما هي هذه النعمة التي يسأله الله أن يحدّث بها؟ إنها نعمة انشراح الصدر بعد ما نزل عليه في سورة ﴿الضحى﴾

وهنا نقرأ ما نزل بعد هذه الآية مباشرة: ﴿ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4)﴾

ثم تأتي سنّة الفرج الإلهي، موضحة أن مع كل عسر يسرا وفرجا وفرحا
حتى وإن كنا لا نرى ذلك بنظرنا المحدود: ﴿فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6)﴾

وماذا بعد ذلك؟ ماذا بعد انفراج الهم؟
هنا يحين وقت السعي إلى العمل والإنتاج: ﴿فإذا فرغت فانصب (7)﴾

ثم لا يبقى سوى التذكير بالعودة إلى من لديه مفاتيح النفوس وسعادتها: ﴿وإلى ربك فارغب (8)﴾

هذا مثال ظاهر جلي من أمثلة أخرى عديدة في القرآن

وللباحثين أن يقرؤوا في القرآن أمثلة عديدة، مثل:

  • قصة بدء الخلق، وما حصل مع آدم وحواء عليهما السلام
  • وقصة نوح عليه السلام، وقصة إبراهيم عليه السلام، وقصة أيوب عليه السلام
  • وقصة موسى عليه السلام، لا سيما توقفه مع نفسه عند باب مدين وقبل ذهابه إلى فرعون
  • وقصة يوسف عليه السلام، وقصة سليمان عليه السلام
  • وقصص الصحابة المنثورة في سور مختلفة من القرآن

وغيرها أكثر منثور في صفحات السيرة النبوية
بل وقصص الصحابة والتابعين، وغيرهم ممن وفقهم الله لفهم كتابه والعمل به